تعويذة بلا سحر

عندما بدأت بقراءة ثالوث و تعويذة بقلم الكاتبة العمانية زوينة الكلباني، كنت أتطلع إلى التمتع بقصة رومانسية خفيفة يتخللها التشويق النفسي، و لكن سرعان ما خابت تطلعاتي. أدركت أن الرواية ليست بالخفة التي تخيلتها ، فهي محاولة صادقة في كتابة رواية شاملة في قصتها و رموزها وتشكيلاتها الفكرية. و رغم ذلك، أقول محاولة لأنها تعاني من نقص واضح يتمثل بالانشغال بأخلاقيات إجتماعية تقدمها الكاتبة بشكل تبسيطي و سطحي، مما يؤثر سلباً على العمل الروائي، إذ تمنع هذه المقاربة التعمق في الشخصيات نفسها و في علاقاتها بعضا ببعض، و تقطع متابعة ردود فعلها الطبيعية

تدور أحداث الرواية حول بنت عمانية اسمها نورة، تعيش عقدة نفسية بسبب توجّسها من الرقم ثلاثة، وعلاقتها بشاب إماراتي تتعرف إليه في لندن. تسعى الرواية إلى أن تكون أكثر من مجرّد قصة عادية عن الحب و القدر، و لكنها تفشل في سعيها هذا، فالثرثرة الكثيرة عن الموت في الرواية لا تنتج أي وحي جديد عن الموت أو الحياة أو أي من المواضيع الوجودية الأخرى. و أمّا على مستوى التسلية، فيشوب الرواية قدر كبير من الجدية الزائدة، و قد يكون مردّ ذلك الأمر إلى عدم تمكن كاتبة تأتي من بيئة خليجية محافظة من أن تكتب في الحب إلا إذا أكدت على قيمها و قيم بطلتها الأخلاقية. في هذا الإطار، تصبح الشخصيات الثانوية مجرد دعائم تقوم عليها أفكار الكاتبة، إذ تغيب عنها مكونات أدبية أساسية، مما يجعلها غير قابلة للتصديق. توظف الكاتبة هذه الشخصيات إذا في تبرير أفعال البطلة نورة و خياراتها، و ربما حتى في تبرير خيار الكاتبة نفسها في الكتابة عن الحب

إحدى هذه الشخصيات الثانوية الصامتة هي سمير؛ فكانت نورة في لندن حين وردها خبر انتحار سمير، زميلها السابق الذي كانت قد كتبت ضده شكوى عندما كانا يعملان في المكتب نفسه. كان سمير مثليا و نورة لا طاقة لها على احتمال هذا “المسخ البشري” على حد قولها، و لا دور لسمير في الرواية إلا ظهوره عنصرًا يبرز تعصب نورة ضد خرق الأعراف الإجتماعية، ليثبت أنها فتاة طاهرة رغم علاقتها بشاب

لم أتوقع من شخصية عمانية أن تدافع عن حقوق المثليين، نظرا لحساسية هذا الموضوع بحسب المعايير الإجتماعية العمانية، ولا أنقدها من وجهة نظر ثقافية أو أخلاقية أو دينية، و لكن من ناحية أدبية نقدية؛ إن هذا النوع من المراوغة أو المقايضة الأخلاقية هي نقطة ضعف في المنطق السردي

و ليس سمير الضحية الوحيدة في القصة. زوج أخت نورة له صديق إسمه أحمد يشجعه على تمضية الليالي الحمراء و عيش مغامرات مع نساء أخريات و لكن لحسن حظ أخت نورة يصاب أحمد بمرض الايدز و يسلم الروح بعد بضعة أسابيع فقط ( هل تدخلت يد الله في هذا الحدث؟؟!) و هنا يظهر التبسيط مرة أخرى عبر إقحام البعد الأخلاقي في أحداث الرواية. لنضع جانبا تجاهل الكاتبة حقائق طبية (يمكن للمرء أن يعيش سنوات طويلة بعد تشخيص الإصابة بالإيدز). بدلا من أن تتحرى الكاتبة تناقضات و صعوبات الحياة الزوجية، تفضل أن تتخلص من المشكلة من دون أن تخوض في أية تعقيدات، فيندم الزوج على خيانته و ينتهي الأمر ببساطة و بسرعة

يبدو لي أن الكاتبة قدمت هذه الأمثلة لكي تبرئ بطلتها مما يمكن أن يحسب عليها عيوب بحسب الثقافة الخليجية، و تتمثل عيوب البطلة بسفرها إلى الخارج بمفردها و تورطها بعلاقة عاطفية خارج الزواج. و للأسف فإن الانتقامات التافهة التي تخضع لها الشخصيات الثانوية في الرواية تنتقص من جمال النص و تضع حاجزاً بين الشخصية الرئيسة و القارئ، حيث تبدو نورة قاسية و مخطئة في أحكامها. كيف نستطيع أن نحب بطلة تبكي لدى إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي قتل الآلاف من شعبه و لا تظهر إلا القسوة و الشراسة تجاه شاب مُثلي لم يقترف أي ذنب حقيقي؟

ليس من الضروري أن تقدم الكاتبة هذه القرابين لكي يسمح لها القارىء برواية قصة حب، فليس من واجب الأدب أن يطلب السماح من قرّائه ولا أن يفاوض على واقعيته.

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s